قبـلَ ثَـلاثَةِ أيَّـام
كتبهافوزي غزلان ، في 26 تشرين الثاني 2006 الساعة: 06:00 ص
على الطَّـاولة الصغيرة المسـتديرة ،وَضَـعَتْ قَهوتي ( السَّـادة ) والماءَ البارد … سـألتـُها :
- ألَم يحضُر عوَّادٌ اليوم ؟..
- لا .
- وأمس ؟ ..
- نعم ، أعتقد ذلك .
أعوامٌ كثيرةٌ و عواد كَشِـاهِدٍ في سَـبحَةِ المكان . يُوزِّعُ وقتَهُ – بكلِّ رتابة الفوضى – على أربَع : ثِـنْتَانِ في ملحِ البقاء ، ورابِـعةٌ في طِلاءِ الليلِ بالذّوَبان ، أمّا الثَّـالثة فهذه الطَّـاولة المسـتديرة الصّغيرة . هنا يُوَزِّعُ أحاديثَه المنسوجةَ بحداثةِ الماء ، و الموَشَّـاةَ بفوضاه / إنَّها فضاؤه .. يُذيبُ فيهِ الملحَ الذي يُكثِّـفه النّهارُ في الحلْق . وَلرَتابَةِ هذه الرّتابة ، و لأناقَةِ الماء ، وجدَ أنّ فَوضاهُ المفرِطةَ تدفَعهُ إلى التِّيـهِ وفقدانِ التَّـوازن ، فكثُرَ الجَدَلُ معَ الأمكنة ومعَ الزَّمن .تَعاظَمَ الجَدَلُ حتى طالَ حدودَ الثِّـقة ، و وصَلَ إلى كلِّ ما يتكرّرُ لَدَيهِ في المكانِ والزّمانِ فَبَدا وكأنَّـه يُصارِعُ ذاتَهُ بالآخرينَ ومن خلالِهم .
خَيَّـبَتـْهُ كلُّ المَسـارات ، و في كلِّ المَرَايا ، تلكَ المرايا التي كانت تُحِسُّ حقيقةَ أنَّ الزمانَ قد سَـبَقَ المكان . كلما نظَرَ في المرايا رأى نفسَـهُ يحمِلُ المكانَ في سَـاقَـيْهِ مرَّةً و في عينَيهِ أُخرى ، فأثقَـلَه .. و لكن ربّما – في الحقيقة – كان هو المحمولُ في المكان ، ولهذا لم يكن يرى عيوباً إلاّ في المرايا والمكان ، فقرَّرَ التَّـخَلِّي عن حِملِهِ بكلِّ ما فيهِ من رَتَابَةٍ و ( ناس ) إلى مكانٍ آخَرَ علَّهُ يجدُ فيهِ زماناً آخر .
- تَأَخَّرَ عوّاد ، وهو الذي كان يحضُرُ قبلَ الجميع ..
دَخلَ صديقُنا واصِف .. سَلَّمَ و جلَس َ إلى يساري ، ثمّ بدأ يتكلّم عن أمرٍ بَدَا لي مفهوماً بالرَّغمِ من أنّ الكلامَ كان كتابَةً بِلا نِقاط :
- اتَّـضَحَ لي أنّني شِـبهُ عارٍ بعدَ أن أخذَ بعضَ ثِيابي ! .. ذهبتُ إلى المغسَـلَة أستفسِر : لقد أخذَها معَ بعضِ ثيابٍ لآخرين ! فهل ثِيابُك …؟
دفعَني الشَّـوق إلى الفهم ، فسَـألتُه :
- ما القصّة .. ما الحكاية ؟
قال : لقد سافرَ عوّاد ، وأنا أتحدّثُ إليكَ على أنَّكَ عارف !..
- ماذا تقول ؟!! متى سـافر ؟!!
- قبلَ ثلاثةِ أيّام ..
ودَّعَـهُ أحبابُهُ جميعَهم ، لكنّهُ رحلَ و لم يُوَدِّعْ أحَداً ؟!!؟
لَبِسَـتْنِي الدَّ هشَـةُ طويلاً ، ثمّ تذكَّرتُ حكايَةَ الثِّـياب .. نظرتُ إلى نفسي فَوَجَدتُنِي – مثلُ خَيَـالي – بِلا ثِياب !!
لَملمتُ أطرافِي لأستُرَها بالخَرَس .. ( وتركتُ المكان ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكتوبر / 1995
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:قصة قصيرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























